رئيس الاستراتيجيات في فورتريس للاستثمار
في خطوة نادرة لم تشهدها الأسواق منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، تدخلت الولايات المتحدة لدعم الين الياباني. ورغم أن الخطوة بدت في ظاهرها دعمًا للاقتصاد الياباني، فإنها في الحقيقة جاءت لحماية سوق سندات الخزانة الأميركية ومنع ارتفاع تكلفة تمويل الدين العام.
ولهذا، وحّدت الولايات المتحدة واليابان جهودهما لشراء الين، في أول تدخل أمريكي مباشر من هذا النوع منذ عام 1998.
ونفذ بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك عملية غير معتادة، تمثلت في بيع اليورو واستخدام حصيلة العملية لشراء الين نيابة عن وزارة الخزانة الأميركية ، بينما جرى تنفيذ العمليات عبر غولدمان ساكس ومورغان ستانلي.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أبلغت في وقت سابق عددًا من بنوك وول ستريت بأنها تدرس التدخل لدعم الين، بعدما هبط في 23 يوليو إلى أضعف مستوى له أمام الدولار منذ عام 1986. كما أجرت واشنطن اتصالات مع البنك المركزي الأوروبي ضمن تنسيق دولي لدعم استقرار الأسواق.
لماذا تدخلت الولايات المتحدة؟
الإجابة تبدأ في اليابان، لكنها تنتهي في واشنطن. فالين هبط إلى أدنى مستوى له منذ نحو 40 عامًا، واليابان هي أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية ، لذلك فإن أي تغيير في قراراتها الاستثمارية لا ينعكس على الاقتصاد الياباني فقط، بل يمتد مباشرة إلى أسواق المال الأميركية وتكلفة تمويل الحكومة الفدرالية .
وعندما يضعف الين بشدة، تتدخل السلطات اليابانية عادةً لدعم عملتها عبر بيع جزء من احتياطاتها الأجنبية، وعلى رأسها سندات الخزانة الأميركية ، ثم تستخدم حصيلة البيع لشراء الين من الأسواق، ما يرفع الطلب على العملة اليابانية ويدعم قيمتها.
لكن هذه الآلية تخلق في المقابل مشكلة للولايات المتحدة.
فكلما اضطرت اليابان إلى بيع المزيد من سندات الخزانة الأميركية ، انخفضت أسعار السندات وارتفعت عوائدها، لأن العلاقة بين أسعار السندات والعوائد علاقة عكسية. وارتفاع العوائد يعني ارتفاع تكلفة اقتراض الحكومة الأميركية ، كما ينعكس على الرهون العقارية، وقروض الشركات، وبقية أجزاء النظام المالي.
وتأتي هذه الضغوط في توقيت بالغ الحساسية، إذ تجاوز العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عامًا مستوى 5.2%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007. وفي الوقت نفسه، يحتاج ما يقرب من ثلث الدين الحكومي الأمريكي إلى إعادة التمويل خلال العام المقبل، ما يعني أن وزارة الخزانة ستكون مضطرة إلى إعادة إصدار أو تمديد آجال تريليونات الدولارات من الديون بأسعار الفائدة المرتفعة الحالية.
ولهذا، فإن أي بيع واسع لسندات الخزانة الأميركية من جانب اليابان سيؤدي إلى مزيد من ارتفاع العوائد، وزيادة تكلفة إعادة تمويل الدين الأمريكي وخدمته.
ومن هنا جاء التدخل الأمريكي؛ فواشنطن لم تكن تستهدف دعم الين في حد ذاته، بل كانت تحاول تقليل الحاجة إلى بيع المزيد من سندات الخزانة الأميركية ، وبالتالي الحد من الضغوط على سوق الدين الأمريكي وتكاليف الاقتراض.
ويُعد هذا أول تدخل أمريكي مباشر لدعم الين منذ عام 1998، عندما اشترت الولايات المتحدة العملة اليابانية لدعم الاقتصاد الياباني بعد وصول الين إلى أدنى مستوياته في ثماني سنوات.
أما في عام 2011، فقد كان التدخل في الاتجاه المعاكس، إذ شاركت الولايات المتحدة ضمن جهد دولي منسق لإضعاف الين بعد ارتفاعه الحاد عقب زلزال وتسونامي توهوكو، وذلك لحماية الاقتصاد الياباني وصادراته.
واليوم تبدلت الصورة؛ فبدلًا من مواجهة قوة مفرطة في الين، أصبح التحدي يتمثل في ضعفه الشديد وما قد يسببه من ضغوط على أكبر سوق للسندات في العالم.
وقد لا يقتصر تأثير قوة الين على سوق السندات فقط، بل قد يشجع أيضًا جزءًا من رؤوس الأموال اليابانية المستثمرة في الخارج على العودة تدريجيًا إلى اليابان، إذا أصبحت الأصول المحلية أكثر جاذبية، وهو ما قد يزيد الضغوط على الأسواق المالية الأميركية إذا اتسعت هذه الحركة.
أن الولايات المتحدة لم تشترِ الين لأنها تخشى على اليابان، بل لأنها تخشى على سوق دينها. فاستقرار الين يقلل الحاجة إلى بيع المزيد من سندات الخزانة الأميركية ، ويحد من ارتفاع عوائدها، ويخفف الضغوط على تكلفة تمويل الدين الأمريكي. لذلك لم يكن هذا التدخل دفاعًا عن عملة أجنبية بقدر ما كان دفاعًا عن استقرار أسواق المال الأميركية نفسها .
*المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي